فخر الدين الرازي

44

تفسير الرازي

ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه . واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان : أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الامن إلى حيث غشيهم النعاس ، فان النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجئ النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء * ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) * وقال في قصة بدر * ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) * ( الأنفال : 11 ) ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين : * ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : " الأمنة " مصدر كالامن ، ومثله من المصادر : العظمة والغلبة ، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمناً وأماناً . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرىء ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها المرة من الأمن . المسألة الثالثة : في قوله تعالى : * ( نعاساً ) * وجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من أمنة ، والثاني : إن يكون مفعولا ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : * ( أمنة ) * وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكباً رجلا ، وثانيها : أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها : أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة . ثم قال تعالى : * ( يغشى طائفة منكم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف ، فأرسل الله علينا النوم ، وإني لأسمع قول معتب بن قشير : والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا